RSS

سيرخيو ماثيّاس .. شاعر الأندلس الأندينيّ

18 أكتوبر

د. ناديا ظافر شعبان

الأندلس بتاريخها العربي الإسلامي حاضرةٌ في جزءٍ من إنتاج بعض كبار كتّاب أميركا اللاتينة وشعرائها، وأبرزهم روبن داريّو، زعيم المدرسة الشعرية الحديثة في nadia-shaaban.-1jpgإسبانيا وأميركا اللاتينية. فشعراء تلك المدرسة، وفي مواجهة حضارة المادة التي كان تغزو القارة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، التفتوا إلى الماضي رفضاً للواقع، ليعايشوا شعوباً ذات حضارة روحانيّة، وذات تاريخ مجيد، ووجدوا ذاتهم ومكانهم في الأندلس الإسلامية، التي تَغَنّى بحضارتها وتاريخها شعراء إسبان كثيرون، مثل فرانثيسكو بيّا إسبيسا، وخوسّي مورينو بيّا، ومانويل رينا، وفيديريكو غارثيّا لوركا.

… في كتابه “أراضٍ شمسية” استرجع روبن داريّو تاريخ الأندلس، وكذلك وقّع أمادو نيربو قصيدة “المؤذِّن”، وتغنّى أنتونيو زيّاس دي بومون بجمال “جنّة العريف” الغرناطية و”مدينة الزهراء” القرطبية ودِعتهما.

لم يتوقّف التغنّي بمجد الأندلس مع انحسار تيار الحداثة الشعرية (1915)، ووجد له في زمننا الحاضر صدىً قوياً في إنتاج الشاعر التشيلي سيرخيو ماثيّاس (1938)، المستوطن مدريد التي اختارها منفىً طوعياً له. منذ مطلع الثمانينيات غادر ماثيّاس وطنه، بعد أن هجا في قصيدة الديكتاتور الحاكم. وفي منفاه الإسباني قرأ ماثيّاس الشعر العربي الأندلسي، في ترجمات لغارثيّا غوميث، تيريسا غارولو، ماريّا خيسوس روبييرا، واكتشف عالماً شعرياً مدهشاً. وهناك أيضاً، حدث انصهارٌ بين لغة الشاعر، التي نسجتها برِقّة حياته في قريته وفي العاصمة سانتياغو في تشيلي، ولغة الحمراء العربية. وتآخى سيرخيو بعفوية وبعمق مع شعراء الأندلس، لأنه، وكما تقول الباحثة روبييرا، مثلهم صائغ كلمة، يبحث عن الصورة – الحجارة الكريمة، التي يرصّع بها أبياته، لينظّم قصائده على منوال الشعر الأندلسي، بعد انقضاء عشرة قرون على ازدهاره، ويجعلنا نعيش مجدّداً – كما توضح أيضاً الباحثة مانويلا كورتِس غارثيّا- ماضياً رائعاً.

هذا التأثّر بلغة الحمراء، سيتوازى في إنتاج ماثيّاس اللاحق، مع انجذابه بقوّة إلى تاريخ الأندلس العظيم، ليصبح الأمران ثابتة في قصائد مفردة، مدرجة بين قصائد ” ذاكرة المنفى”، ” ليل لا أحد”، “إخبار لاتيني أميركي عن بغداد وأماكن أخرى خلاّبة”، أو في دواوين ثلاثة كاملة، يختصر مضمونها تاريخ الأندلس وامتداده في المغرب: ” تطوان في أحلام أنديني”( تطوان هي المدينة التي أعاد إنشاءها القائد أبو الحسن المَنْدَري، بُعَيد سقوط غرناطة بيدي المَلَكين الكاثوليكيين، وكان البرتغالييون قد دمّروها في العام 1437م)، و“مخطوط الأحلام”، و”سحر ابن زيدون”.sergio mattias

في قصيدة ” ذاكرة المنفى”(1985) يظهر في شعر ماثيّاس، ولأوّل مرّة، الموضوع العربي الأندلسي، وترصّع أبياته صورٌ عربية النشأة، وهو يناجي حبيبته:

” أغرق في مشهد عينيك، اللتين هما
واحتان في الطريق الطويل الذي يرجمه الحزن…..
أنا مسافر الجنوب الذي وصل إلى خيمتك في ليل البدر”.

ولا يكتفي الشاعر الأندينيّ بالتماثل مع ابن خفّاجة في قصيدة أخرى، ومحاكاة الشاعر الأندلسي في قصائد الحبّ العذري الذي تشارك الطبيعة في رسم ملامحه، بل يقوم بتمجيد الحضارة الأندلسية الإسلامية في ديوان ” إخبار لاتيني أميركي عن بغداد وأماكن أخرى خلّابة”. وفي قصيدة “موسيقى” يؤرّخ فيها لوجود زرياب في قرطبة وتأثيره الاجتماعي فيها، بوصفه تأثيراً إسلاميّاً عربيّاً تجاوز حدود إسبانيا إلى أوروبا:

” في ظلّ أشجار زيتون الأندلس
أستمتع بموسيقى زرياب، وبين أشجار النخيل الخلّابة
أبتهج لرقص الفراشات”.

ويؤرّخ ماثياّس في قصيدة أخرى للنشاط الثقافي في إسبانيا العربية الإسلامية، ويؤرّخ للعطاء المبدع، الذي قدّمته للدنيا في مجالات الفكر والعلوم، لتُغني تراث الإنسانية:

في مملكة البساتين ونافورات الماء العطريّة
بحر الفكر، تَكَوَّن
لغة الذاكرة.
أغنية الأندلس لعالم الحبّ.
علم ما وراء الطبيعة، لما هو غير مفهوم،
صورة الجمال،
في جهات الصمت الأربع “.

جميلة جداً ومؤثّرة هي أبيات سيرخيو ماثيّاس التي تمجِّد عظمة تاريخنا في جنوب غرب أوروبا. وهذا التاريخ الذي أنهته الحروب العبثيّة يستحضر الشاعر الأنديني وهجه، في تطوان، أُولى المدن العربية الإسلامية، التي زارها انطلاقاً من منفاه الطوعي في إسبانيا، والتي يذكّر كلّ ما فيها بالأندلس، وبخاصة بغرناطة.

تطوان في أبياته هي (مسجد القمر) (خيرالدا الجنوب) وأهلها هم (مبدعو تاريخ غرناطة) (فاتحون آتون من أبعد من الصحراء وأيديهم الشرقية (تعزف على أوتار النجوم)، وهم (فرسان يمتطون صهوة أحصنةٍ من نجوم). والتجوّل في تطوان التي تُغَنّي تاريخها بلابل غرناطة، يوحي إلى الشاعر بالحنين إلى ماضي الأندلس، الذي كان مرتبطاً بتاريخ مراكش. وننتقل مع الشاعر إلى إشبيليا وقرطبة، كأوّل عاصمتين للآداب والفنون في زمانهما، من ضمن خريطة أوروبا، وهما تضجّان بالفرح والحياة:

” في إشبيليا التي يتفتح قلبها مثل وردةٍ من ضياء
ينبت فرح نهر وادي الكبير من أعماق الحجارة
وعودٌ من بنفسج، يُذكِّر بشاعر الأندلس الذي كان يقرأ في كتاب الغيوم “.

بعفوية يموضعنا وصف سيرخيو في عاصمتين من أحلى عواصم الدنيا وأرقاها في القرون الوسطى، ويهيِّئ لنا ذلك التفاعل مع جمال تلك القصائد الفريدة.

لكن فضلاً عمّا أوردناه سابقاً حول انصهار لغة ماثيّاس بلغة الحمراء وتغنيّه بعظمة تاريخها الحضاري وحول محاكاته للشعراء الأندلسيين، لا بدّ من ذكر موضوع أندلسي آخر، مؤثّر، اتّخذ بعداً مهمّاً في قصائد ديوانيه “مخطوط الأحلام” و “سحر ابن زيدون”، وهو يدور حول شخصيّتين بارزتين في بانوراما الأندلس، كلّ منهما عاشق كبير، مرهف الإحساس، يجمع المنفى بين قدره وقدريهما: المعتمد بن عبّاد ملك إشبيليا (1040 – 1095) وأبو الوليد أحمد بن زيدون (1003 – 1070 ) أهمّ شاعر قرطبي في زمنه. من خلال قصائد سحرية جميلة جداً، يروي سيرخيو ماثيّاس حكايات حبّ عظيم ومنفى، بغنائية سردية تنقلنا إلى الأجواء النورانية لإشبيليا وقرطبة، وإلى مسْرَحَيْ عشقٍ مؤثّرٍ وخالد، ارتبطت تفاصيل عنوانه، بالمعتمد والرميكية، وبابن زيدون وولّادة.
رحل المعتمد إلى أغماد أسيراً، وظلّ يعيش بكُلّيته في مكانٍ آخر، في إشبيليا. أمّا ابن زيدون الذي يغرقه اليأس بعيداً عن قرطبة وعن كلّ ما يحبّه فيها، المسجد، مدينة الزهراء، نهر وادي الكبير، الأصدقاء الذين كانوا ينشدون أغاني زرياب، فراح يسأل:

” هل يستطيع المنفيّ العودةَ إلى الزهراء
بعد أن يكون النفي
قد استنفد دموعه الأخيرة؟ ”

ويطلق الشاعر الأنديني المنفيّ صرخة ألم يختصر فيها بتأثّر بالغ وجع منفيٍّ يقيس أبعاد المسافات بينه وبين وطنه، فتسري قراءة أبياته رعشةً فينا، ونتذكّر بقوّة كم هو غالٍ الوطن، المكان، الجذور!

فالمنفى يختصر في عمر الإنسان كلّ الحياة، ويظلّ الوطن البعيد القريب حيّاً في القلب والذاكرة، محتضناً كليّةَ الكيان، في عالمٍ خاص، نسيجه الذكرى، ويشكِّل حاجزاً بينه وبين ما كان. وآخر وجود تَذَكّرَه المعتمد قبل أن يُغْمِض عينيه إلى الأبد، هو عالم إشبيليا:

” قبل أن يموت
تذكّر إشبيليا لمرّة أخيرة
استمع إلى ألحان عود الخريف
رفع كأسه لشاعر
وشرب بمتعة
الذهب الذي كانت تسكبه الشمس”.

يبدو لنا عندما نقرأ هذه الأبيات ونحن لا نعرف اسم ناظمها الأنديني، أن من وقّع القصيدة هو شاعر أندلسي عاشق للأرض التي نفي بعيداً عنها، وأنه مليء بالحنين للعودة إليها.

إن قصائد المنفى بالذات تستوقفنا طويلاً في الديوانين، لأن الشاعر الأنديني المنفيّ طوعاً في إسبانيا، يتماثل مع بطليه ليعبّر عن ألم الانسلاخ عن الجذور والبعد عن الوطن. فهذه القصائد تغني تراثنا الأدبي، وخصوصاً أن كثيراً من صورها يبدو عربيّ النشأة. فندرك كَم كانت الباحثة ماريّا خيسوس روبييرا على حقٍّ عندما سمّته شاعر الأندلس الأندينيّ.

*******

(*) مؤسسة الفكر العربي – نشرة أفق

 
أضف تعليق

Posted by في أكتوبر 18, 2014 in قضايا

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: